التقاء الجبهة الشعبية وحركة النهضة للمرة الأولى في تجنيب بن سدرين المحاسبة رغم اختلاف الغايات، إلا أنه يثبت الحماية السياسية للفساد.
مازال تصويت حركة النهضة والجبهة الشعبية ضد مقترح نداء تونس بتكوين لجنة تحقيق في شبهات فساد طالت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، سهام بن سدرين داخل البرلمان، يطرح جدلا كبيرا لعدة اعتبارات لعل أهمها التقاء التيارين السياسيين لأول مرة حول معطى ما، ولجدلية الشخصية المعنية بالتحقيق التي يبدو أن ولاءها لـ”الشيخ” راشد الغنوشي جعلها فوق مستوى المحاسبة والمساءلة.
فالمطلع على المشهد السياسي في تونس يدرك أن النهضة الجبهة يسيران دائما في خطين متوازيين لا يلتقيان أبدا، بل إن الأخيرة رفضت أن تكون جزءا من الحكومات المتلاحقة في البلاد بسبب مشاركة الحركة الإسلامية فيها، لكنهما التقيا للمرة الأولى وإن اختلفت الغايات.
إذ نجت سهام بن سدرين من المحاسبة بفضل نواب حركة النهضة ونواب الجبهة الذين وضعوا اليد في اليد بطريقة بدت مريبة بعد إسقاطهم الثلاثاء قانون إحداث لجنة برلمانية للتحقيق في شبهة فساد رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة. علما وأن كتلة النداء حرصت على تمريره حتى أن ونوابها صوتوا بالإجماع شأنهم شأن نواب حركة مشروع تونس والوطني الحر وآفاق تونس.
وأثار هذا الموقف المشترك بين التيارين ردود فعل مختلفة تدور في مجملها حول التساؤل عن احتمال حدوث التقاء بين الجانبين في الوقت الذي تتحدث فيه جملة من التقارير عن قلق الحركة الإسلامية من دورها داخل الائتلاف الحاكم اليوم، وشعورها بالتهميش في ظل تقارب عدد من الأحزاب المشاركة في التحالف نظرا لتقارب الرؤى السياسية التقدمية اليسارية على خلاف الإيديولوجيا الإسلامية التي تميز حركة النهضة التي مازالت رغم ما أعلنت عنه من تجرد منه لم تحظى بثقة المشهد السياسي.
ولكن الكثير من المراقبين يستبعدون حدوث هذا التقارب، معتبرين أن هذا التوافق حدث بالمصادفة لا غير دون أن يكون هناك تنسيق لالتقاء رؤى الطرفين. فالجبهة صوتت ضد المشروع إيمانا منها بان الفساد مستشري في مختلف مؤسسات الدولة، وانه من غير المنصف أن يتم التغاضي على كل الملفات العالقة في الغرض والشخصيات الكبرى الثابت تورطها في الفساد والاكتفاء بمساءلة بن سدرين.
ودعا عدد من قياداتها إلى التعاطي مع الفساد كملف كامل لا يستثني أطرافا بعينها وان لا يتم طرح جهة أو إسم ما لا تتفق رؤاه مع الفاعلين السياسيين كعنوان لمكافحة هذه الظاهرة المستفحلة في البلاد في حين يفسح المجال للكثير من الرؤوس النافذة والمتورطة في قضايا فساد كبرى دون أن تخضع للمحاسبة. هذا فضلا عن الالتزام بنصوص القانون التي تقضي بعدم خضوع هيئة الحقيقة والكرامة لأية رقابة مهما كان نوعها بما يعني انه لا يمكن لأية سلطة مراقبتها.
ولا يحق لمجلس نواب الشعب أو رئيس الحكومة أو رئيس الدولة مراقبة الهيئة المذكورة حسب ما ينص عليه الفصل 38 من قانون العدالة الانتقالية والذي جاء فيه أن “هيئة الحقيقة والكرامة لا تخضع لأية رقابة مهما كان نوعها ولا تقبل أي ضغط من آية سلطة كانت”.
ولكن في المقابل صوتت النهضة على نص القرار حماية لشخص بن سدرين التي تجمع أغلب المكونات السياسية في تونس والمتابعين أنها تدين بالولاء لـ”الشيخ” راشد الغنوشي، بل أن الكثير من التقارير تحدثت عن عرضها لمجمل تقارير الهيئة عليه قبل طرحها أمام الهيئات الرسمية بما في ذلك مجلس النواب وغيره.
ومن هذا المنطلق سارع نواب الحركة الإسلامية إلى التصويت ضد المقترح لحماية الرئيسة رغم التحفظات الكبيرة والإشكاليات التي أثارتها دخل الهيئة والتهم الكثيرة التي وجهت إليها والتي تحتاج في الحد الأدنى المساءلة للتأكيد أو النفي.
الفساد أقوى من المحاسبة
وتتهم بن سدرين حسب بعض الأطراف السياسية على غرار عضو الهيئة زهير مخلوف بإهدار الأموال المرصودة لعمل الهيئة وتزوير محاضر الجلسات والمغالطة المتعمدة للدولة والالتفاف والتحايل على عمليات التحكيم والمصالحة، والعمل لحساب أجندات سياسية بعينها وإتباع سياسة انتقائية في التعامل مع الملفات التزاما بحسابات حزبية ضيقة. وهو ما اعتبر برأيهم انتهاكا لمسار العدالة الانتقالية.
ولكن ليست المرة الأولى التي تكون فيه هذه السيدة خارج دائرة المحاسبة، فقد سبق وان حدث جدل كبير داخل الهيئة انجر عنها استقالة بعض أعضاء الهيئة بسبب سياستها التي قالوا عنها أنها “إقصائية”، فضلا عن التصريحات التي أدانتها بتهم مشابهة ولكن دون أن تمر على المحاسبة.
واليوم يتواصل مسلسل التهرب من مساءلة أو محاسبة بن سدرين بدعم برلماني، ليؤكد من جديد أن الولاء للشيخ الغنوشي في تونس يمكن أن يكون ضمانة حقيقية تمنح صاحبها الحصانة المطلقة حتى لو تجاوز هذا الطرف تطبيق أحكام قضائية، وحتى لو استبد بتسيير هيئة على غاية من الحساسية والدقة، وحتى لو منح حقوق بث عمل الهيئة والمتعلقة أساسا بشهادات المتضررين في الحقبات السياسية الفارطة إلى قناة “الجزيرة” القطرية على حساب المؤسسات الإعلامية الوطنية. علما وان الجميع يدرك التقارب الكبير بين القناة والحركات الإسلامية لا في تونس فقط بل في اغلب دول المنطقة. وهذا مؤشر آخر من شأنه تأكيد تبعية رئاسة الهيئة لحركة سياسية بعينها في البلاد، والتشكيك في فاعلية وجدوى عملها ومصداقيته.
ولعل هذا احد أسباب عدم تقبل التونسيين لمسار العدالة الانتقالية في البلاد، قياسا للجدل المحتم منذ البداية والذي رافق أساسا رئيسة الهيئة والذي أدى تدريجيا إلى تعتيم دورها وعدم الإيمان بجدوى عملها. وأثارت الريبة في مناسبات كثيرة حول أسباب الإصرار على وجود شخصية لا تحظى بالتوافق على رأس هيئة الحقيقة والكرامة، رغم وجود عدة شخصيات ذات مصداقية ومحل توافق من الجميع.
وقد لا يبدو الأمر مريبا في تونس اليوم قياسا لاستفحال الفساد على أكثر من صعيد وفي أغلب القطاعات، دون وجود توجه سياسي جدي يسعى للقضاء على هذه الظاهرة أو محاربتها والاكتفاء بالوعود التي تتناقلها الحكومات تباعا دون فاعلية تذكر، تاركة الباب مفتوحا على مصراعيه أمام المزيد من مظاهر الفساد.